Skip to main content

الإدارة والقيادة... محاولة للتفريق والفهم - بقلم/جميل كتبي



دائماً ما يخطر على بال المختص و غير المختص بعلم إدارة الأعمال سؤال جوهري ومهم وقد يحير أحيانا. هو:


هل ما أقوم به في منظمتي يمكن إدراجه تحت الإدارة أم القيادة؟

دعوني أحبابي بالبدء بتعريف الإدارة والتي تملك مئات التعريفات ولكن الأقرب لتخصيصي الهندسي هو أنها ( مجموعة من العمليات التي تحافظ على سريان النظام بداخل المنشأة بكل سهولة وتدفق لتكوين منظومة متكاملة وفعالة بين التكنولوجيا، الموظف، والموارد لإخراج خدمات/منتجات بجودة عالية وتكلفة قليلة وبسعر مناسب في الوقت المناسب). بينما نجد أن البعض قام بتعريف القيادة بأنها (القدرة الإدارية والعلمية على تخطي المصاعب والأزمات وتحويلها لصالح المنشأة عبر رؤية ثاقبة في الكفاءات وإستقطابهم وتنميتهم ومشاركتهم الرؤية والهدف والقرار، وكل ذلك يأتي بأسلوب تنويري وإصلاحي وتوجيهي).


من هذين التعريفين يتضح لنا بأن كل قائد هو إداري، وليس كل إداري هو قائد..


ماذا يعني ذلك؟!!


نعم أعلم بأن السابق تنظير يحمل الكثير من الصحة والقليل من الخطأ أو العكس... 
ولكن دعوني أشرح فهمي البسيط للفرق بين القيادة والإدارة عبر شرح "مهمة" كلا منهما، وبذلك ستكون المقارنة عملية وأقرب للواقع من التعريفات والتنظير.

          هناك ٣ محاور جوهرية سأبني عليها مقارناتي:

* من أكبر مهام الإدارة هي قدرة الرجل/المراة على التخطيط ووضع الميزانيات، بمعني رسم الخطوط والتفاصيل عبر خطوات وجداول زمنية لتحقيق الهدف أو المهمة أو المشروع. وبعد ذلك يتم تحديد الموارد المالية، البشرية، والتقنية لتحويل تلك الصورة لواقع ملموس. بينما وجد الباحثون أن القيادة تقتضي على الشخص أن يكون قادر على تطوير رؤية مستقبلية للمنظمة/مؤسسة/قسم، وغالبا ما تكون متوسطة وبعيدة المدى، بالإضافة إلى طرح إستراتيحيات فعالة لتحقيق هذه الرؤية و للتأكد من تطور ونمو الشركة المستمر وبخطى واثقة. هذه الإستراتيجات يتم بنائها عبر علم،خبرة،معلومات، وتحليل لترسم خارطة الطريق للمنشأة في المدى القريب،المتوسط، والبعيد. فالمبدع من القادة يرسم ويكتب المانشيتات و الهيدلايندز عبر تحوبل الفرص إلى نجاحات، ومصائب الغير إلى منافع، والمخاطر إلى محفزات، ومصادر الضعف إلى قوة. هنا نجد أن القيمة المضافة للقائد هي أكبر من الإداري لمستقبل وإزدهار الشركة/قسم.

*وضع الهيكلة والتنظيم لانجاز الجداول والمواعيد عبر تحدد الكفاءات نوعا وكما بالإضافة لتكوين فرق العمل هي في المقام الأول من مهام الإدارة وأهلها. وذلك يعني بأن قدرة الإداري على توزيع المسؤوليات بذكاء وإعطاء الصلاحيات لمن يستحقها يعتبر من أكبر المؤثرات على نجاح سير العمل. وهذه مهارة مهمة جدا في علم إدارة وتحفيز البشر. كما تتطلب الإدارة من القائم عليها أن يأتي بحلول و نظم تساعده في مراقبة سير العمل مثل وضع المعايير التي يتم عليها قياس إنتاجية وأداء الأفراد/قسم. في المقابل نجد أن القيادة تركز أكثر على مبدأ "لم الشمل والمشاركة" والتأكد من أن الكل من رأس الهرم لقاعه على دراية كاملة برؤية الشركة وأهدافها وقيمها وإستراتيجياتها ووضعها الحالي والمستقبلي. بمعنى آخر فإن القائد يملك سحرا وكاريزما يستطيع عبرها وضع الجميع في كفته، وتحويل هذه الطاقة الكبيرة إلى إنجاز وإبداع وتحدي وإصرار. هنا يآتي سحر الكلام والخطابة الفعالة والإقناع المنطقي ليزرع ثقافة دائمة وبناءه سواء في وجوده وبعدما يرحل. من المستحيل أن قائدا قد أستبد ونجح لأن أول مسلمات القيادة هي مشاركة قاع ووسط الهرم في إتخاذ القرار مما يجعل الهمة كبيرة لإنجاح المشروع التطويري الإصلاحي لأن الجميع أشترك في القرار مما يقلص الإعتراض والتخريب.

* من أهم الفروقات بين الإداري والقائد هي أن الأول كثيرا ما يفقد القدرة على التحفيز والدعم المعنوي لجهله التباين في شخصيات الناس وكيفية التعامل معهم، مما يجعل العمل معه  أو له من أصعب التجارب. والمؤسف حقيقاً أن البعض منا يعتبر التحفيز والصداقة والتقدير هو نوع من أنواع الضعف التي لا يجب أن يظهرها الرئيس للمرؤوسين!! وهذا خطأ عقدي وإداري كبير... فالقائد الواعي دائماً ما يكون مصدر إلهام وطاقة إيجابية لموظفيه مما يجعل العمل معه أو تحته إضافة لك كل يوم لأنه كتاب مفتوح ومدرسة للأخلاق والقيم والمبادئ. غالبا ما نجد أن القائد لا يحب البيروقراطية وإذا وجد فيها فسيحاول تقليصها ومحاربتها، بينما على النقيض نجد أن الإداري الكلاسيكي دائماً ما يعشق البيروقراطية ولا يحب تقصير المسافات لإعتقاده بأن ثقافة "التحكم والأمر" ستحقق الأرقام المرجو منه تحقيقها. هنا يبرز فرق مهم وجوهري في تفكير وعقيدة القائد الذي يعلم بأن كيفية ومعيار تقييم الموظف لها تأثير على إنتاجيته، بمعنى آخر، لو أنك قيمت أداء الموظف بعدد المعاملات التي أنهاها في نهاية اليوم فإن الموظف سيركز على تحقيق أكبر عدد من المعاملات في أقصر مدة. وهنا الخطأ لأن ليس كل معاملة أنتهى منها قد أنجزت بجودة عالية للتأكد من عدم عودتها له مرة اخرى. هنا يقوم القائد فقط بالتصحيح وتقييم أداء الموظف حسب عدد المعاملات المنتهية ويضع في الحسبان المعابة أو العائدة له وبذلك تعلم إنتاجية وفاعلية هذا المورد البشري الذي سيغير سلوكه ويبدأ في التركيز على إنجاز أكبر عدد معاملات "صحيحة" في أقصر وقت ممكن. ويمكن إسقاط المثال السابق على مندوب المبيعات الذي لا يهمه غير تحقيق "التارقيت" والأرقام المطلوبة منه ولا يعنيه "الخدمة بعد البيع" سواء أرجعت المنتج/الخدمة لأنها كانت كذبة تجارية أو لأن ما حصلت عليه معاب، وهنا لا ألوم المندوب بل ألوم رئيسه الجاهل الذي يقيس أداءه على عدد القطع المباعة ولا يضع في الحسبان المسترجع منها.

يمكنني الختم بالقول بأن الإدارة الفعالة فقط تساعد في تحقيق درجة عالية من النظام والبروتوكولات والستاندردز لإرضاء العميل وإشباع حاجته ورغبته عبر خدمته بما يريد في الوقت المناسب والمكان المناسب بهدف تحقيق نتائج إيجابية للشركة في المدى القصير، وهذا بدوره سيسعد المساهمين في الشركة ومجلس إدارتها. أما من يملك القدرة على التغيير والتطوير بإستمرارية فهو ذلك القائد ذو البصر و البصيرة الذي يقوم أحيانا بغير المتوقع وغير المألوف لإنجاز التغيير الدراماتيكي المفيد لمستقبل الشركة في المدى المتوسط والبعيد. هو ذلك القائد الذي يترك بصمته و يكسر الحواجز دائماً دون أن تسيل الدماء بكل فن وخبرة ودراية وعلم، هو ذلك الرجل الذي لا يحب الظهور و"الفلاشات" إلا وقت الأزمات لحلها وإدارتها أما وقت الإنتصار والإحتفال فإنه يقدم فريقه قبله لجني القطاف.

في النهاية يمكننا أخذ الخلاصة والحكمه من أفواه المجانين... هتلر يقول بأن فن القيادة يتلخص في القدرة على جذب إنتباه الشعب تجاه "شيء واحد" وما على القائد التحقق منه هو عدم تشتت إنتباههم أبداً..  

هل أنت إداري أو قائد؟..
أم هناك إحتمال ثالث؟!
أم لا هذا ولا ذاك؟  


Comments

Popular posts from this blog

جامعة الملك سعود وسيارة غزال

-نشر المقال بعكاظ٢٠-١-٢٠١١م- قرأت بفرح وسرور خبر توقيع جامعة الملك سعود اتفاقية التعاون المشترك مع الشركة الكورية لصناعة أول سيارة سعودية، حيث تطمح الجامعة لكسر حاجز الخوف من (بعبع) صناعة السيارات في السعودية والعالم العربي. هذه الخطوة في نظري سوف تكون علامة بارزة في تاريخ المملكة وتاريخ جامعة الملك سعود وتاريخ معالي الدكتور عبدالله العثمان خصيصا. ما أود طرحه في هذا المقال هو عدة آراء أو اقتراحات من وجهة نظر علمية بحتة دون الخوض في كل العوامل التي يمكن أن تؤثر على مصير هذا المنتج الوطني الذي سوف يؤثر على سمعة المملكة في العالم سواء  بنجاحه أو فشله ــ لا سمح الله.   لكي ننجح لابد من محاكاة تجربة الناجحين في هذا المجال، ومن أكثر نجاحا من تويوتا في صناعة السيارات في العالم. هذه الشركة التي استطاعت خلال عقود قليلة أن تكون أكبر شركة ربحية في صناعة السيارات في العالم. يعود تاريخ تويوتا إلى 1918م عندما كانت تقوم بصناعة الأنسجة في عهد ساكيتشي تويودا، ثم غيرت مجالها إلى صناعة السيارات في عام 1930م في عهد كيتشيرو تويودا (ابن ساكيتشي) الذي أوصاه والده قبل وفاته بخدمة صناعة السيارات ...

طفرة العمل عن بُعد

بقلم: د.م/ جميل زهير كتبي ساهمت الطفرة التكنولوجية والتقنية في عمل ثورة في أسواق العمل حول العالم، فأصبح الشرق متصل بالغرب ولا توجد أي فوارق زمنية بينهما. كما ساهمت تلك الطفرة في نشوء أساليب عمل جديدة أدت لتوسع وتنوع فرص العمل للجنسين وخصوصا للمرأة، فكثير من النساء يعانين من الحصول على فرص وظيفية نتيجة إلتزاماتهم العائلية والأسرية بالإضافة إلى وجود بعض الترسبات الثقافات السلبية خصوصا في العالم العربي والتي أثرت ومازالت تؤثر على خروج المرأة لسوق العمل بكل أريحية وقوة. ولكن اليوم أختلفت المعادلة وتغيرت فأصبح بمقدور المرأة العمل من منزلها بكل مرونة وتحكم فدخلت لعالم المال والأعمال وأصبحت منافسا شرسا للرجال وذلك بفضل وسائل التواصل الإجتماعي التي كونت منصة خصبة ورائعة لهن . باتت المنافسة بعد هذا التحول الكبير في الأسواق تتبلور حول من تملك التركيز والإنتاجية والفاعلية العالية لتستمر في هذا السوق المفتوح والرأسمالي والذي لا يرحم الضعيفة أو الغير محترفة. فلاحظنا نشوء الكثير من المشاريع النسائية الرائدة والمبدعة على مختلف المنصات ولكن القليل منها من يقوى على البقاء والنمو وتحقيق الأر...

الألماس المزدوج... للتغيير و حل الأزمات | بقلم/ جميل كتبي

سأبدأ مقالي بعبارة مذكورة في الإنجيل تقول "إذا كان القائد أعمى ومن وراءه عمي أيضاً، فأعلم بأن السقوط في الحفر شيء محتوم..." وفي ظني أن أكبر مشاكلنا التنموية تكمن في أسلوب تعاملنا مع الأزمات عبر مر السنون. هذا العجز في التعامل أدى لتفاقم وقع الكوارث على مختلف المناطق وتكرار وقوعها. إن من أكبر ما يعاب على هذه المدرسة من القيادة هو تشابه طريقتها مع طريقة "رجل الإطفاء". بمعنى آخر فإن تعاملهم مع الحدث هو "ردة فعل"  فقط بدل من أن يكون "إستباقي" أو مبادر من قبل وقوع الحدث وجاهز بكل أنواع الخطط. أود  هنا  أن أطرح أحد أشهر أساليب القيادة والتغيير والتي يمكن إسقاطها على الأزمات أو عندما نحتاج أن "نغير الطريقة التي نتغير بها". هذا الأنموذج يسمى بالألماس المزدوج والذي يهدف لإيجاد حلول عبر تشخيص الأسباب والأعراض. وهنا رسم توضيحي لهذا النموذج قبل البدء في شرحه الألماسة الأولى في الأعلى ترمز لعملية التشخيص التي تبدأ بالخطوة ١ الأولى عبر طرح الأسئلة المفتوحة بكل أنواعها حول المشكلة أو الأزمة أو موضوع التغيير، يجب التنويه هنا بأن الصرا...